محمد سالم محيسن
186
الهادي ( شرح طيبة النشر في القراءات العشر والكشف عن علل القراءات وتوجيهها )
الثاني : أنّ تخفيف الهمز لم يكن مقصورا على منطقة دون أخرى ، وإنما كان فاشيا في كثير من المناطق العربية وإن تفاوتت صوره ودرجاته « 1 » . وإذا كانت القبائل البدويّة التي تميل إلى السرعة في النطق ، وتسلك أيسر السبل إلى هذه السرعة فإن تحقيق الهمز كان في لسان الخاصّة التي تخفّف من عيب هذه السرعة ، أي أنّ الناطق البدويّ تعوّد « النبر » في موضوع الهمز ، وهي عادة أملتها ضرورة انتظام الإيقاع النطقيّ ، كما حكمتها ضرورة الإبانة عمّا يريده من نطقه لمجموعة من المقاطع المتتابعة السريعة الانطلاق على لسانه ، فموقع النبر في نطقه كان دائما أبرز المقاطع وهو ما كان يمنحه كل اهتمامه وضغطه . أمّا القبائل الحضريّة فعلى العكس من ذلك : إذ كانت متأنّية في النطق ، متّئدة في أدائها ، ولذا لم تكن بها حاجة إلى التماس المزيد من مظاهر الأناة ، فأهملت همز كلماتها ، أعني المبالغة في النبر واستعاضت عن ذلك بوسيلة أخرى كالتسهيل ، والإبدال ، والإسقاط . وبالتتبع وجدت الوسائل التي سلكها العرب للتخفيف الهمز ما يأتي : التسهيل ، والإبدال ، والحذف ، والنقل « 2 » . وقد وردت القراءات القرآنية الصحيحة بكل ذلك ، وهذا ما سيتجلّى في هذا الباب ، والأبواب التالية له بإذن اللّه تعالى . قال ابن الجزري : ثانيهما سهّل غنى حرم حلا * وخلف ذي الفتح لوى أبدل جلا خلفا . . . . . * . . . . . المعنى : لما انقضى الكلام عن المدّ والقصر ، أتبع ذلك بالكلام على
--> ( 1 ) أنظر : من أصول اللهجات العربية في السودان د / عبد المجيد عابدين ص 120 . ( 2 ) أنظر : الكشف عن أحكام الوقف والوصل في العربية مخطوط د / محمد سالم محيسن ص 120 .